يفكك الكاتب جاسم العزاوي في مستهل مقاله الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في يونيو 2025 عبر مدرستين فكريتين بارزتين في العلاقات الدولية، هما البراجماتية الأمريكية والواقعية السياسية الأوروبية، موضحًا أن كل منهما تقدم تفسيرًا مختلفًا للأهداف والنتائج، بما يكشف التناقضات الكامنة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران والمنطقة.
ويرى الكاتب في مقاله الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور أن تحليل الحرب من خلال هاتين المقاربتين لا يقود إلى حكم واحد، بل يبرز روايتين متنافستين؛ الأولى تقيس نجاح الحرب وفق نتائجها العملية، بينما تركز الثانية على موازين القوة والمصالح الاستراتيجية بعيدًا عن الاعتبارات الأخلاقية، وهو ما يجعل تقييم الصراع أكثر تعقيدًا.
البراجماتية تقيس الحرب بنتائجها
يوضح الكاتب أن البراجماتية تنطلق من فكرة أن نجاح أي سياسة يرتبط بالنتائج التي تحققها، لا بالشعارات التي ترفعها. وانطلاقًا من هذا المبدأ، بررت واشنطن الضربات العسكرية ضد إيران باعتبارها وسيلة لتعطيل البرنامج النووي، خاصة المنشآت المحصنة مثل فوردو ونطنز، وتقليص قدرات الحرس الثوري في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب دفع طهران نحو العودة إلى المسار الدبلوماسي من موقع أضعف.
لكن الكاتب يرى أن البراجماتية تفرض أيضًا مراجعة دقيقة للنتائج الفعلية عندما تختلف عن الأهداف المعلنة. فبعد الضربات، لم تتراجع شبكات الحلفاء الإقليميين لإيران في العراق واليمن ولبنان وسوريا، بل اكتسبت زخمًا جديدًا، كما ظل مضيق هرمز بؤرة توتر تؤثر في حركة نحو خمس تجارة النفط العالمية، وهو ما يجعل حصيلة الحرب محل جدل حتى الآن.
ويستشهد الكاتب برؤية الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور، الذي حذر من أن الحروب تستنزف الموارد التي يحتاجها البشر للتنمية، معتبرًا أن أي تقييم براجماتي حقيقي ينبغي أن يقارن بين المكاسب العسكرية المباشرة والتكاليف الاقتصادية والسياسية الباهظة الناتجة عن زعزعة استقرار المنطقة.
الواقعية السياسية تنظر إلى ميزان القوة
ينتقل المقال إلى منظور الواقعية السياسية، الذي لا يسأل عما إذا كانت الحرب ناجحة أخلاقيًا، بل يبحث عن الطرف الذي عزز نفوذه الاستراتيجي. ويشرح الكاتب أن هذا الاتجاه الفكري، الذي ارتبط بأسماء مثل أوتو فون بسمارك وهانس مورغنثاو، ينطلق من أن الدول تتحرك وفق مصالحها وقوتها، لا وفق المبادئ والقيم.
ومن هذا المنظور، تمثل الحرب محاولة لإضعاف ما تصفه طهران بـ"العمق الاستراتيجي"، الذي بنته منذ عام 1979 عبر دعم حلفائها في عدة دول بالمنطقة، بما أتاح لها توسيع نفوذها الإقليمي دون تعريض أراضيها لمواجهات مباشرة.
ويشير الكاتب إلى أن كسر صورة إيران بوصفها قوة يصعب ردعها شكّل هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا للضربات العسكرية، مستشهدًا برؤية هنري كيسنجر التي تؤكد أن الإدراك العام للقوة لا يقل أهمية عن القوة نفسها.
ومع ذلك، يلفت المقال إلى أن الواقعية السياسية نفسها تحذر من الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إنهاء الصراعات، إذ يرى الباحث كينيث والتز أن الدول التي ترتبط مصالحها الأساسية بالبقاء تعيد بناء قدراتها مهما بلغت الخسائر. وبناء على ذلك، لا يتوقع الكاتب أن تتخلى إيران بسهولة عن أدوات نفوذها أو أن تقبل بتغيير موازين القوة بصورة دائمة.
نقاط الالتقاء والاختلاف في مستقبل الصراع
يرى الكاتب أن البراجماتية والواقعية السياسية تلتقيان عند حقيقة أساسية، وهي أن أي حرب تفتقر إلى تصور واضح لما بعدها تتحول إلى عبء استراتيجي مهما حققت من نجاحات ميدانية. ويستحضر مقولة المفكر العسكري الصيني سون تزو التي تؤكد أن أفضل الانتصارات هي تلك التي تكسر مقاومة الخصم دون اللجوء إلى الحرب، معتبرًا أن هذا الهدف لم يتحقق في المواجهة مع إيران حتى الآن.
ويضيف أن الاختلاف الجوهري بين المدرستين يكمن في معيار الحكم على الحرب؛ فالبراجماتية توازن بين النتائج وتأثيرها في رفاهية البشر، بينما تركز الواقعية السياسية على تعظيم القوة وحماية المصالح الوطنية دون منح الاعتبارات الإنسانية وزنًا حاسمًا.
ويختتم الكاتب بالإشارة إلى أن هذا التباين يعكس مفارقة أعمق داخل الاستراتيجية الأمريكية، حيث تجمع واشنطن بين خطاب يقوم على المبادئ الليبرالية وممارسة سياسية تعتمد في كثير من الأحيان على حسابات القوة والنفوذ. ويخلص إلى أن الحكم النهائي على الحرب ضد إيران لا يزال مؤجلًا، لأن نتائجها الاستراتيجية لم تستقر بعد، ولأن نجاح أي تدخل عسكري يقاس بقدرته على تحقيق أهداف سياسية مستدامة، لا بمجرد التفوق في ساحات القتال.
https://www.middleeastmonitor.com/20260626-the-war-on-iran-through-the-lenses-of-pragmatism-and-realpolitik/

